القاضي التنوخي
130
الفرج بعد الشدة
فأحسسنا بالموت ، وأيقنّا بتلفنا من الجوع لا محالة . فقال بعضنا لبعض : تعالوا نجعل للّه تعالى على أنفسنا أن ندع له شيئا ، فلعلّه أن يرحمنا فيخلّصنا من هذه الشدّة . فقال بعضنا : أصوم الدهر كلّه . وقال الآخر : أصلّي كلّ يوم كذا وكذا ركعة . وقال بعضنا : أدع لذّات الدنيا ، إلى أن قال كلّ واحد منهم شيئا ، وأنا ساكت . فقالوا : قل أنت الآخر شيئا . فلم يجر على لساني إلّا أن قلت : أنا لا آكل لحم فيل أبدا . فقالوا : ما هذا القول في مثل هذا الحال ؟ فقلت : واللّه ، لم أتعمّد هذا ، [ 49 ن ] ولكنّي منذ بدأتم فعاهدتم اللّه تعالى عليه ، وأنا أعرض على نفسي أشياء كثيرة فلا تطاوعني بتركها ، ولا خطر ببالي شيء أدعه للّه تعالى ، ولا مرّ على قلبي غير الذي لفظت به ، وما أجري هذا على لساني إلّا لأمر . فلما كان بعد ساعة ، قال أحدنا : لم لا نطوف هذه الأرض متفرّقين فنطلب قوتا ، فمن وجد شيئا أنذر به الباقين ، والموعد هذه الشجرة . قال : فتفرّقنا في الطواف ، فوقع بعضنا على ولد فيل صغير ، فلوّح بعضنا لبعض فاجتمعنا ، فأخذه أصحابنا ، واحتالوا فيه حتى شووه وقعدوا يأكلون . فقالوا لي : تقدّم وكل معنا . فقلت : أنتم تعلمون أنّي منذ ساعة تركته للّه عزّ وجلّ ، وما كنت لأرجع فيه ، ولعلّ ذلك قد جرى على لساني من ذكري له ، هو سبب موتي من بينكم ، لأنّي ما أكلت شيئا منذ أيّام ، ولا أطمع في شيء آخر ، ولا يراني اللّه عزّ وجلّ أنقض عهده ، ولو متّ جوعا ، فاعتزلتهم وأكل أصحابي . وأقبل الليل ، فأويت إلى أصل شجرة كنت أبيت عندها ، وتفرّق أصحابي للنوم .